علي بن يونس العاملي النباطي البياضي
105
الصراط المستقيم
لما فيه من تقوية قولهم وتصحيحه [ قلنا ] لو حدث في الجم الغفير ذلك لكان عن اجتماع وتوافق ، ولا يخفى على أحد ما هذا شأنه ، فلما لم تحدث تلك النصوص ، علمنا أنها لم تقع عن تواطؤ . إن قيل : جاز أن يضعها واحد ويكتمه ليتم استدلاله ، قلنا : لا يلزم من كتمانه عدم معرفة زمانه . إن قيل : فقد ابتدعت صنائع ومذاهب لم يعرف زمانها . قلنا : فقد عرف ابتداعها ، ولو عرف زمانها لم يحكم بابتداعها . إن قيل : يجوز أن يدعوهم داع واحد إلى افترائه . فلا يحتاج إلى اجتماعهم فلا يظهر الافتراء [ قلنا ] لو افتعلوه بغير إجماع لاختلف ألفاظ النصوص فإن الداعي الواحد لا يوجب اتفاق الألفاظ ، ولما نقلت الشيعة في النصوص ألفاظا متفقة ، علمنا أنها ليست عن داع واحد ، بل اتفاق الألفاظ إما لاجتماعهم ومثله لا يخفى إذ هو من المهمات التي يتوفر دواعي المخالف إلى نقلها ، فإذا بطل الداعي الواحد لها وعلم الاتفاق في ألفاظها علم أن النبي مصدرها ، فلهذا كل من ترك الهوى ، والميل إلى الدنيا ، أذعن لقبولها ، لعلمه باستمرار شرائط التواتر فيها . إن قيل : لا يمتنع اتفاق الألفاظ مع تباعد البلدان كما في المواردة ، فإن امرء القيس وطرفة اتفقا في بيت مع تباعدهما ، فلما تنافسا فيه أحضر طرفة خطوط أهل بلده ، فكان اليوم نظما فيه واحدا : وقوف بها صحبي علي مطيهم * يقولون لا تهلك أسى وتجلدا قال طرفة : وتجلد . قلنا : لا شك أن ذلك من أندر الأشياء وقوعا ، ولولا ندوره لم يختصما فيه ، ولما اتفقت ألفاظ النصوص التي ملأت الأقطار ، علم أنها ليست عن داع واحد بلا إنكار . إن قيل : فالنصوص التي تذكرونها إن صدرت عن النبي صلى الله عليه وآله في قوم قليلين فلا تواتر لعدم الكثرة المعتبرة فيه عنهم ، وإن صدرت في كثيرين وجب اشتهارها لكونها أمرا عظيما في الدين ، ولو اشتهرت امتنع إنكارها من التابعين .